هذه مقالة جديدة في محتواها وإن كانت شبه حولية في عمرها ! بعث بها إلينا أخونا المفضال أبو عمر سلمه الله !
وحيث إنها قيمة ، تستحق مزيدا من الانتشار ، فقد رأيت أن أضيفها هنا ، مع تعليق بعثت أصله لصاحب الفضل الأول في بعثها لنا ..
---------------
أدباء أم بلهاء
وحيث إنها قيمة ، تستحق مزيدا من الانتشار ، فقد رأيت أن أضيفها هنا ، مع تعليق بعثت أصله لصاحب الفضل الأول في بعثها لنا ..
---------------
أدباء أم بلهاء
ياسر سعيد حارب
ليس من عادتي أن أقرأ روايات لأدباء عرب لأسباب كنت أحتفظ بها لنفسي، ولكنني قررت اليوم أن أفصح عما في داخلي علّني أجد إجابة عند قرّاء هذا المقال، فقبل يومين كنت أتفحص ركن الروايات في مكتبتي المتواضعة فوجدت رواية "شيكاجو" التي اشتريتها قبل عدة أشهر لا لشيء إلا لأنني قرأت عنها الكثير من الإطراء والمديح، وعندما وجدتها أمامي في المكتبة التي عادة ما أرتادها مرة كل أسبوع اقتنيت نسخة منها علّني أجد فيها ما فاتني من الأدب العربي الذي توقف إنتاجه بتوقف مجلة الرسالة التي أسسها أحمد الزيات في ثلاثينيات القرن المنصرم، حيث حوت تلك المجلة بين دفتيها جواهر الأدب العربي الحديث وأجمل ما سكبته أقلام الأدباء العرب الذين كانت مصر أمهم وأم الدنيا آنذاك.بدأت أقلّب صفحات الرواية على عجل لأصل إلى شيء مفيد أو متميز، فما كتب على ظهر الغلاف الخارجي يشير إلى أن الرواية هي ظاهرة أدبية متجددة لم يقف عندها مؤلفها الذي ابتدأ حياته الأدبية برواية "عمارة يعقوبيان" التي أثارت زخماً إعلامياً كبيراً وبيعت منها مئات الآلاف من النسخ. كنت أجتهد كلما فتحت صفحة جديدة في أن أجد لفظاً أدبياً متميزاً أو تشبيهاً بليغاً أو استعارة مكنية أو أي شيء من أبجديات الأدب العربي الذي تعلمناه في المدارس إلا أنني لم أجد شيئاً من ذلك القبيل، فانصرفت إلى البحث عن الحبكة التي وعدني بها مروّج الرواية فلم أجدها أيضاً، وكان جل ما قرأته هو كلام سلس غير معقد - وهي إحدى مميزات الرواية - ومعنى أكثر سلاسة إلى درجة السطحية. فالكاتب يصف أموراً بسيطة بدقة متناهية كلون البنطال الذي يرتديه فلان ونوع قميصه وشكل شعره بطريقة تحرم القارئ من متعة الخيال التي هي أجمل شيء في القراءة، فوجدتني أغلق باب الخيال على مصراعيه وأريح ذهني من تصوّر الأماكن والأبطال وكأنني أشاهد أخبار الساعة العاشرة مساءً.وجدت الكاتب يعيد كرته التي بدأها في "عمارة يعقوبيان" - التي لم أكمل قراءتها أيضاً - حيث احتل الجنس والوصف الدقيق للممارسات الجنسية الساقطة والوصف البذيء لجسد المرأة ومفاتنها وللأعضاء التناسلية لها وللرجل تتصدر صفحات الرواية، فرميتها دون أن أبالي، ولولا أنها تحمل اسم الله لألقيتها في سلّة المهملات.إن أحد أسباب عدم قراءتي للروايات العربية هو ابتذال روائييها للحديث وسقوط أفكارهم حيث يمنون القارئ بالتشويق وبالحبكة المحكمة، وحين يقتنيها القارئ المسكين يكتشف أنها فيلم إباحي خالٍ من الصور (البلاغية) ولكن ما يثير حنقي على هؤلاء (الأدباء) وقرائهم هو طريقة تسويقهم لرواياتهم التي يدّعون أحياناً أنها تعكس واقعاً حقيقياً يعاني منه المجتمع، وأحيانا أخرى يقولون إنهم يتحدثون عن الميتافيزيقيا - وهي عالم ما وراء الطبيعة حيث ينسب إليه كل ما يعجز الإنسان عن تفسيره - ويأتون بكلمات يعجز حتى أرسطو عن استيعابها، ويدافعون عن رواياتهم بزعمهم أنها قضايا لابد أن تناقش وبأدق التفاصيل، وسؤالي لهؤلاء هو لماذا يتركون أدق التفاصيل التي كان من الأولى أن يركزوا عليها ويتفرغون للحديث عن أدق التفاصيل الجنسية التي يستحي الإنسان من ذكرها حتى بينه وبين نفسه؟لم يكتف هؤلاء (الأدباء) الذين بدأت كتبهم تعتلي قائمة أفضل الكتب مبيعاً بتشويه صورة الأدب العربي والشرقي لدى القارئ العالمي حتى صوروه وكأن كل الرجال العرب شهريار وكل العربيات شهرزاد، بل إن بعضهم تجاوز الخطوط الحمراء وأخذ يقذف الذات الإلهية ووصف الله تعالى بأوصاف لا تليق حتى بمخلوق وعللوا ذلك بقولهم إنهم يطرحون الرأي والرأي الآخر دون أن يكون لهم دخل في الحوار الذي هو من محض خيالهم! إن الأدب هو انعكاس لطبيعة المجتمع وأحواله وليس العكس، ومن يتنطع بمقولة "الجمهور عاوز كده" فإن الجمهور يريد أشياء كثيرة فلماذا لا يحققها كلها له إذن؟ فالجمهور يريد مسكناً ووظيفة وزوجة فلماذا لا يقدمها له إن كان هو وصياً على تحقيق رغبات الجمهور؟عندما نقرأ الأدب اللاتيني نجده يدور حول المعاناة والفقر والطموح وهذه بعض مواصفات المجتمع الذي نبع منه، والأدب الألماني يتحدث عن الهوية الوطنية والأيديولوجيا الاجتماعية وأزمة التعرف على الذات التي يعيشها المجتمع الألماني منذ أن هزم في الحرب العالمية الثانية حتى نشأ نوع جديد من الأدباء يسمونهم "أدباء ساعة الصفر" وهم الذين يسعون من خلال أدبياتهم لإيجاد أجوبة للأسباب التي جعلتهم يوماً ما أمة استعمارية تستبيح دم العالم وتمتهن القتل والنهب؟ فهل أصبح الأدب العربي أدب الرذيلة والإلحاد؟ أم إن الجمهور العربي أصبح ساقطاً ومنحلاً؟قد لا يجانب هؤلاء (الأدباء) الصواب في بعض صفحات رواياتهم، فهم يضعون أيديهم أحياناً على مواضع الجرح ولكنهم يحدثون في الجسد العربي جروحاً أخرى أكثر عمقاً من جروحه الأصلية وأكثر إيلاماً له ولروحه، وإن بعض الصواب في الخطأ لا يجعل الخطأ صواباً. أعجب ممن يعيشون حياتهم كلها في قصة حب وهمية، وممن يظنون بأن جميع الناس عشاق في هذه الدنيا، وعلى الرغم من أنني أؤمن بأن حديث الحب له وقعه الإيجابي في القلوب إلا أن الرذيلة التي نقرؤها في الروايات العربية اليوم لا تمت لهذا الحب بأية صلة، وقديماً قال أحد الأدباء إن الحب هو عمل فني من أعمال النفس، أما الفضيلة فهي النفس ذاتها، وإذا كان الحب أياماً جميلة عابرة في زماننا فإن الفضيلة هي الزمن كله... وهي كالياقوتة التي لا تأكلها النار.ويقول طه حسين في هذا السياق:"الأديب لا يحس لنفسه وإنما يحس للناس، وهو لا يشعر لنفسه وإنما يشعر للناس، وهو لا يفكر في نفسه وإنما يفكر للناس، وهو بعبارة واضحة لا يعيش لنفسه وإنما يعيش للناس" فهل يوقن (الأديب) العربي بأنه يفكر للناس وليس لنفسه فقط، وأن كلماته تبقى حبيسة فؤاده فإذا ما أطلقها أصبح هو حبيسها... وبأن التاريخ لن يسامحه يوماً لأنه ابتذل الأدب وسفّه بالعقول ولطّخ صفحات الأدب العربي لا لشيء إلا ليقولوا عنه إنه ظاهرة أدبية.*كاتب إماراتي
--------
--------
قلت : حقا إنها لمقالة قيمة ! ما أروع الصراحة والوضوح ..
مقالة تعبر عن رأي شريحة كبيرة من القراء الذين لا يجدون فيما يكتبه أدعياء الأدب غير قلة الأدب ! أو كما وصفه ياسر : أدب الرذيلة والإلحاد !
من المشكل : أن رؤوسا من هؤلاء ليسوا سوى حيارى يتيهون في التعبير عن الملذات هروبا من مواجهة الحقائق !
رحم الله أيام الزيات ، وأرسلان ، وأحمد تيمور .. ومحمود شاكر ... إلخ ..
مهما اختلف القاريء مع الأديب الحقيقي فإنه يكن له تقديرا واحتراما ، وإن من قبيل الاحترام المتبادل .. فكم تشدني كتابات زكي مبارك الأدبية ، وكم أجد من توصيف للمشكلات وإحصائيات في كتابات ما يكل مور وإن كانت من النوع الساخر ! وكم يستهويني وضوح محمود السعدني وأسلوبه الساخر ، وإن في كتابه الذي قدمه له الشيخ متولي الشعراوي : ( ألحان السماء ) ! أو حتى حواديت المشاوير ( تاكسي ) لخالد الخميسي ..
ورحم الله أيام فقيه الأدباء وأديب الفقهاء ذي القلم المعبر ، والعبارة الصادقة ، والمكاشفة الحقيقية حتى للذات ، أعني العلامة علي الطنطاوي عليه رحمة الله ! أديب يُضحك ويبكي ، ويهذب ويؤدب ، ويحزن ويفرح !
أدب بمعنى الكلمة ، لا قلة أدب بمعنى الكلمة ..
أعجبتني مقارنة ياسر بين صنيع قليلي الأدب أو فاقديه في عالمنا العربي ، وصنيع أدباء الإفرنج ، ذلك الأدب الذي يحمل هم أمة تبكي مجدا ، لتعيده ، أو تسعى في صنع آخر من جديد !
يقول العلامة الطنطاوي : الأدب إنما هو لخدمة الدين والوطن والأخلاق ، فإن خلا من أي من هذه ، فهو هذرلا قيمة له !
لقد كان هذا جوابه الحاسم لمعركته مع أستاذه الشاعر شفيق جبري ، التي كانت بعنوان : هل يكون الأدب للأدب أم يكون للحياة ؟!
رحم الله أبا بنان ، فلقد ذهب ولم ير كثيرا من الهذر الذي يسمى : روايات وربما قدم لها بعض أصحاب الوزارات !
---------
قلت وفي الأسبوع الماضي توفيت يمان بنت علي الطنطاوي فرحمة الله عليهما ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق